فوزي آل سيف

11

عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

ومرت أيام الإمام علي الرضا في المدينة المنورة هادئة بعيدًا عن الصراعات السياسية والتصفيات الثأرية التي كانت تدور في بغداد، والتي شرب فيها البرامكة من نفس الكأس التي سقوا بها غيرهم، فإذا بالدائرة تدور عليهم بعد أربع سنوات من شهادة الإمام الكاظم عليه السلام ، لينكبوا تلك النكبة سنة 187 ه‍ التي أتت على صغيرهم وكبيرهم ورجالهم ونسائهم، حتى أصبحوا يحتاجون لمن كان يحتاج لهم ولا يصلون إليه. وربما يكون لانشغال هارون قبل ذلك بالقضاء على الحركات المعارضة له في أكثر من موضع، وانشغاله بتصفية البرامكة فيما بعد، دور في انشغاله عن إيذاء الإمام علي الرضا عليه السلام ، فاستطاع الإمام عليه السلام أن يبث من علوم أهل البيت عليهم السلام الشيء الكثير حتى لقد عد بطل النهضة العلمية في مذهب أهل البيت في مرحلتها الثالثة، وسيتضح لك المعنى تفصيلا عندما نتحدث عن الدور العلمي الذي قام به حتى لقب بأنه (عالم آل محمد). إننا نعتقد أن القيام بتبليغ الدين في عقائده وأحكامه ومعارفه، وبيان نظامه الأخلاقي هو أعظم مهمة يقوم بها الأنبياء والمرسلون، كما يقوم بها أوصياؤهم والأئمة. ودونها تكون سائر المهمات مثل: الثورة السياسية، والأعمال العسكرية، بل حتى مثل إقامة الدولة. نؤكد على هذا لأننا نرى أن الذهنية العامة المسلمة، تنظر إلى الأفعال الخارجية (كفتح البلدان، وعمارة المدن وأمثال ذلك من الحكام والخلفاء) أو الثورات السياسية والحركات العسكرية (وتأسيس الدول) من جهة الثائرين أو المعارضين هي الأعمال الكبيرة التي تستحق الذكر والتسجيل وهي التي تملأ صفحات التاريخ، ولكن هذا خاطئ تمامًا! إن أهم الصفات التي يذكرها الله سبحانه عن الأنبياء والمرسلين هي ما يرتبط بتبليغ رسالة الله، فها هو سبحانه وتعالى يصف نبيه الأعظم محمدًا بقوله {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥ وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧}[23]. وهي كما ترى صفات تدور في حلقة التبليغ والتعليم والإرشاد والتعريف بدين الله وهدف الحياة وكيفية الوصول إلى جنة الله. ومثل ذلك هو الحديث عن سائر الأنبياء والمرسلين.

--> 23 الأحزاب: 45- 47